عمر فروخ
468
تاريخ الأدب العربي
بأيّ لفظ تقول الشعر زعنفة * تجوز عندك لا عرب ولا عجم « 1 » ! وفي ذي الحجّة من السنة 348 ه ( نيسان - أبريل 960 م ) أصيب المتنبّي ، وهو في مصر ، بحمّى الربع ( الحمى الراجعة ، لأنها تعود في كل أربعة أيام مرة - الملاريا ) فقال يشكو المرض والألم ، وكنّى عن الحمّى بكلمة زائرة . وليس في هذه القصيدة غير شكواه من المرض ومن إقامته في أرض مصر لا يحارب ولا يقوم بعمل عظيم : ولما صار ودّ الناس خبّا * جزيت على ابتسام بابتسام « 2 » . ولست بقانع من كلّ فضل * بأن أعزى إلى جدّ همام . ولم أر في عيوب الناس عيبا * كنقص القادرين على التمام . أقمت بأرض مصر ، فلا ورائي * تخبّ بي الركاب ولا أمامي . قليل عائدي ، سقم فؤادي ، * كثير حاسدي ، صعب مرامي . وزائرتي كأنّ بها حياء : * فليس تزور إلّا في الظلام . بذلت لها المطارف والحشايا * فعافتها وباتت في عظامي « 3 » . يضيق الجلد عن نفسي وعنها * فتوسعه بأنواع السقام . كأن الصبح يطردها فتجري * مدامعها بأربعة سجام « 4 » . أراقب وقتها من غير شوق * مراقبة المشوق المستهام . ويصدق وعدها ، والصدق شرّ * إذا ألقاك في الكرب العظام . يقول لي الطبيب : أكلت شيئا ؛ * وداؤك في شرابك والطعام . وما في طبّه أني جواد « 5 » * أضرّ بجسمه طول الجمام . تعوّد أن يغبّر في السرايا * ويدخل من قتام في قتام « 6 » .
--> ( 1 ) زعنفة ( بالكسر أو الفتح ) : جماعة لا وزن لها ولا قيمة . تجوز عندك : تقبل قولها . ( 2 ) الخب : المكر . ( 3 ) المطرف ( بالكسر ) : الثوب الثمين . الحشية : الفراش . - نمت على فراش ولبست ثيابا ، ومع ذلك لم يفارقني البرد . ( 4 ) - مع اقتراب الصبح ينضح جسم المصاب بالبرداء عرقا وتذهب عنه الحمى ويفارقه البرد . في البيت أيضا تورية : كأن العرق دموع للحمى ( حزنا على فراقه ) . ( 5 ) الجواد : الحصان الأصيل . الجمام : الراحة واللهو . ( 6 ) - تعود أن يحارب دائما . السرية : الغزوة . القتام : غبار الحرب .